قصة قصيرة

في يوم من أيّام ما قبل بعثة النّبيّ عليه السّلام شرب النّعمان بن المنذر -أحد ملوك الجاهليّة- حتى سّكر وأمر بقتل صديقيه. فلمّا أفاق من طفق يسأل عنهما ، فأحيط علمًا بماحدث، فحزن غاية الحزن وبنى على قبريهما بناءين عاليين، وجعل في كلّ سنة يوم بؤس ويوم سعد تذكارًا لهما ، وكان يخرج في هذين اليومين بكمال حشمته ويجلس بين البنائين، فما كانت تلمح عينه في يوم البؤس من أحد إلاّ وقتله، وما كان يدخل داره أحد في يوم النّعيم إلاّ وأحسن إليه. واستمرت هذه القاعدة حتّى جاء يوما ركب فيه الملك جواده وتوجّه للصيد، فلمحت عينه حمارًا وحشيًّا، فأطلق العنان في عقبه حتّى بعد عن جيشه، فلمّا تأخّر به الوقت يئس وبينما هو كذلك إذا بسواد خباء مضروب في البادية ، فعطف إليه عنان جواده حتّى بلغ باب الخباء وقال «أتستضيفونني؟» فقال ربّ الخباء -وكان حنظلة الطّائي- نعم، واستقبله وقال لزوجه: ابذلي في إكرامه الهمّة والغيرة»، فقالت المرأة: «عندنا شاة فاذبحها فحلب حنظلة الشّاة وحمل إلى النّعمان قدحًا من حليبها، ثم ذبح الشّاة وقضى النّعمان ليلته من محبّة حنظلة فلمّا طلع الفجر تأهّب للرّحيل، وقال لحنظلة: «إنّك أبديت في استضافتي غاية الجود، وأنا النّعمان بن المنذر لأرقب قدومك عليّ مشتاقًا». وانقضت مدّة إلى ان أصابت حنظلة فاقة شديدة، فأسرع إلى الملك، وكان في يوم بؤسه، فتبلبل خاطر الملك وأخذ يعاتبه أن: «لماذا حضرت في يوم البؤس، فإنّه لو لمحت عينيّ ابني الوحيد قابوس لقتلته، فما هي حاجتك ». فقال حنظلة: «لا علم لي بيوم بؤسك هذا، فما الجدوى الآن من نعمة الدّنيا الّتي هي للعيش بها إن قدّر لي أن أشرب كأس المنون؟» فقال النّعمان: «لا مفرّ من ذلك» فقال حنظلة: «أمهلني زمنًا أعود فيه إلى عيالي وأوصيهم ثم أحضر السّنة القادمة في يوم بؤسها»، فطلب النّعمان من يضمنه حتّى إذا ما خالف وعده قتل ضامنه. وكان هناك رجل يسمى بقراد فنهض وكفله شريطة أن يجري الملك فيه ما يريد إذا لم يسلّم حنظلة في يوم البؤس من السّنة الآتية، فأنعم النّعمان لحنظلة بخمسمائة ناقة وصرفه.

وفي السّنة التّالية أقبل يوم البؤس حمل النعمان معه قرادًا ليكون فريسة لسخطه، وأخذ أركان الدّولة يشفعون له ويستمهلونه حتّى الغروب لعلّ حنظلة يعود، وكان الملك يريد أن يقتل ضامنه حتّى ينجيه من الهلاك وذلك ثمنًا لمحبّته إيّاه، فلما دنت ساعة الغروب عرّي قراد حتّى يضرب عنقه، فما راعهم إلاّ أنّ فارسًا فاجأهم فلما اقترب الفارس وجدوه حنظلة ، فلم يرق النّعمان قدومه وقال: «أيّها الجاهل لماذا عدت مرّة أخرى فقال حنظلة: «جعل الوفاء بالعهد السّمّ الزّعاف حلوًا مستساغًا »، فسأل النّعمان عن الباعث له على هذا الوفاء، فقال حنظلة: «هو إقراري بوحدانيّة الله وإيماني بالكتب المنزّلة السّماويّة» فقال النّعمان: «بأيّ دين تدين؟» فأجابه: «أحياني نفس المسيح فقال النّعمان: «فأعرض على نفحات روح الله » فلمّا تلا بضع آيات إلهيّة من الإنجيل باللّحن الجليل، تبرأ النّعمان ووزراؤه جميعًا من الأصنام وعبادتها، وثبتوا في دين الله وقالوا: «يا حسرة علينا قد غفلنا إلى اليوم وكنّا محرومين وميئوسين من غمام فضل الرّحمن هذا». وهدم النّعمان الغرييّن من فوره وندم على ظلمه وأحكم أساس العدل والإنصاف. فتأمّلوا كيف أنّه رجل من البادية لمّا اتّصف بصفة من صفات المخلصين استطاع أن ينقذ مثل هذا الملك الغيّور هو وجمعًا غفيرًا من ظلمات ليل الضّلالة، ويدلّهم على صبح الهداية ويخلّصهم من مفازة عبادة الأصنام المهلكة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: